مجمع البحوث الاسلامية

605

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

إلّا من وهب له ، ولا ينكره إلّا من حرم منه . ثمّ إنّه أساس العرفان الإسلاميّ الّذي شاع التّعبير عنه عندهم ب « العشق » وعند العرفاء بالفناء والاتّحاد ، ويوصف أثره بالفصل والوصل ، وبالحضور والهجران ، وإنّهم يشكون دائما عن ألم الهجران ، ويتمنّون دائما الوصل ، فحياتهم مستغرقة في الوصل والفراق . وقد تجلّت هاتان الحالتان في كلماتهم نظما ونثرا في اللّغة العربيّة والفارسيّة وسائر لغات الشّعوب الإسلاميّة . وأخصّ بالذّكر شعراء الفرس ، فدواوينهم مثل « المثنوي » و « ديوان الشّمس » كلاهما لجلال الدّين المولويّ الرّوميّ ( 672 ه ق ) ومثلهما دواوين عطّار النّيسابوريّ ، والسّنائي والنّظامي والسّعدي والحافظ وغيرهم ، فهي مليئة بذكر الحبيب والمعشوق ووصله وفراقه . وقد بدأ المولويّ ديوانه « المثنوي » بالشّكاية عن ألم الهجران ، وهو المحور في هذا الدّيوان حيث قال : بشنو از نى چون حكايت مىكند * واز جداييها شكايت مىكند . . . استمع النّاي كيف يحكي ويشكو عن الفراق . هذا على صعيد الشّعر والأدب ، وأمّا على صعيد الدّعاء فلا تسأل عنه ، وحسبك فقرة من دعاء الكميل بن زياد المنسوب إلى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام : « . . فهبني يا إلهيّ وسيّدي ومولاي وربّي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك ؟ وهبني صبرت على حرّ نارك فكيف أصبر عن النّظر إلى كرامتك . . . ؟ » 7 - ومثل تبادل الحبّ بين العبد والرّبّ في الآيتين ، تبادل الرّضى بينهما في أربع آيات ، جاءت بشأن المؤمنين المخلصين : 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ المائدة : 119 2 - وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ التّوبة : 100 3 - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ المجادلة : 22 4 - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ البيّنة : 8 وقد قدّم فيها جميعا رضى الرّبّ على رضى العبد بسياق واحد : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ مع أنّ تبادل الحبّ في الآيتين - كما سبق - جاء بسياقين ، فقدّم حبّ الرّبّ في إحداهما : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وأخّر في الأخرى : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ . ومع هذا الفارق بين الحبّ والرّضى في الآيات السّتّ فسياقها متّفق في التّعبير عن الرّبّ ب ( اللّه ) وبضميره ، وعن العبد بضمير الجمع حضورا وغيابا . ( تحبّون ، يحببكم ، عنهم ، رضوا ) ، وكأنّ في ذلك تلاحما وتداخلا بين حبّ اللّه وحبّ العباد بوصفهم مجتمعين ، وكذلك بين رضى اللّه ورضى العباد ، فالتّبادل انتهى إلى التّلاحم والتّداخل ، بل الفناء وانعدام العبد ، فليس هناك إلّا هو ، ولهذا فعند العارفين العمل والثّواب كلاهما من اللّه ، وليس للعبد شيء بل هو كالمعدوم . قال المولويّ : « اى دعا از تو أجابت هم ز تو » .